ناصر الطرابيشي : لكل زي مكانة.. والطربوش للقارئ الكبير
أتقن الصنعة بأجود الخامات.. وقطعة القماش تحكي هوية صاحبها
الغيرة الحميدة على القرآن.. ضمان أمان مصر
عبد الباسط والنعماني.. زرعوا "الهيبة والوقار" في قلبي
علماء الدين وقراء العصور.. قائمة الشرف في ورشتي
التمسك بالأخلاق.. رسالتي للجيل الصاعد
في زواياها التي تنبض بعبق التاريخ وذاكرة قرون مضت، تقف القاهرة الفاطمية شامخة، وتحتضن في قلبها، وتحديدًا في حي الغورية الأبي، رجلاً لم يصنع الأزياء فحسب، بل صنع الوقار وحفظ الهيبة.. ناصر الطرابيشي "صانع الوجاهة"، الذي تحول متجره العريق إلى قِبلة لأهل العلم والدين على مدار ما يزيد على نصف قرن من الزمان.
هنا، بين جنبات حي الغورية العريق، ننصت إلى قصص وحكايات تمتد جذورها عبر التاريخ، من ذكريات الوقوف أمام عمالقة التلاوة كـ الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (رحمه الله)، إلى التحدي اليومي في الحفاظ على أصالة الحرفة في زمن التغيرات السريعة، كما نكشف عن الأسرار التي تجعل الطربوش المخصص للقارئ القرآني مختلفًا تمامًا عن زي أي فئة أخرى، مؤكدين أن الزي في حد ذاته هو "مرتبة ومكانة".
كما نرصد نقطة التحول والالتقاء الأكثر تأثيرًا لدى الطرابيشي، حيث استقبل نجم "مسابقة دولة التلاوة"، الشاب الشيخ عبد الله عبد الموجود، واستمع لتلاوته ليمنحه شهادته الخاصة: "نموذج يُحتذى به في الجدية والالتزام"، وقد جسد هذا اللقاء لحظة تسليم الراية بين جيلين: الخبرة العميقة والمستقبل الواعد.
من قلب هذا المكان الرمزي، الذي هو "قلب الأصالة ومهد العلم في مصر"، يفتح "صانع الوجاهة" قلبه لـ "اللواء الإسلامي"، متحدثًا عن تحديات المهنة ومعنى الوجاهة الحقيقية، موجّهًا دعوته الأبوية للشباب بالتمسك بـ "أخلاق أهل القرآن"، ومعلنًا أن خير ما يراه اليوم هو "الغيرة الحميدة بين الأجيال على القرآن".
كيف بدأت مسيرتك مع صناعة الزي الأزهري؟ وكم جيلاً من عائلتك توارث هذه الحرفة العريقة؟
في الحقيقة، اكتسبت هذه الحرفة منذ نعومة أظفاري، حين كنت صبيًا يافعًا حتى أصبحت جزءًا من كياني. فأنا الآن تجاوزت الـ 52 عامًا من الخبرة في هذه الصنعة، التي توارثتها أبًا عن جد، وحريص على توريثها للأجيال القادمة حفاظًا عليها من الاندثار.
لقب متجركم بـ "صانع الوجاهة".. ما القصة وراء هذا الاسم؟
"صانع الوجاهة" لقب لم يأت بمحض الصدفة، بل هو هدية من مصور صحفي في جريدة "الأخبار"، بعد أن بحث طويلاً عن عنوان يوصف المتجر. حيث جاء اللقب من موقف حقيقي؛ فعندما انتهيت من تفصيل طربوش لأحد المشايخ، نظر الشيخ لنفسه في المرآة وقال: "الله.. إيه الوجاهة دي"، ومن ثم التقط الصحفي الكلمة ببراعة ومنحني هذا اللقب.
ما أبرز التحديات التي تواجهك في الحفاظ على أصالة هذه المهنة وجودة الزي في العصر الحالي؟
التحدي يكمن في قدرتي على النظر إلى وجه الزبون وإخراج الطربوش المناسب له في دقائق معدودة، بمعنى أن أجعل قطعة القماش تحكي عن هوية صاحبها واحترامه لمهنته. باختصار، أتحدى مهنتي في إتقان كل قطعة أصنعها، حيث إنني أتعامل مع الزبون كفنان يدرس الملامح.
هل الخامات التي تعتمدها في صناعة العمامة والجلباب تضمن جودة "الوجاهة" التي تشتهرون بها؟
أؤمن دوماً بأن سمعتي المهنية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بجودة ما أقدمه، لهذا ألتزم بأجود أنواع الخامات، سواء في الزي نفسه أو في العمامة، حتى يظهر رجل الدين بأبهى صورة وأعلى وقار يليق بمكانته وخطابته.
قائمة مشرفة
على مدار نصف قرن، من الشخصيات التي تعاملت معها واعتمدت على ورشتكم في التفصيل؟
هناك الكثيرون من العلماء والقراء الذين أتشرف بخدمتهم على مر العصور، فقائمة الأسماء طويلة ومشرّفة، ومن بين الشخصيات التي كانت قريبة مني ولا تزال، الشيخ طه النعماني وغيره الكثير.
هل تتذكر موقفًا مؤثرًا لا يُنسى مع أحد هؤلاء المشايخ العظماء؟
نعم.. هناك موقف لا يُنسى حدث عندما كنت "صبياً" بيني وبين الشيخ عبد الباسط عبد الصمد (رحمه الله)، فعندما ذهبت لإيصال الزي الخاص به إلى سيارته، أعطاني "خمسة ساغ" وقال لي: "خذ هذه لك ولأولادك"، ما جعلني أشعر بقيمة ما أفعله.
احتضنت ورشتكم مؤخرًا لقاءً خاصًا مع الشيخ عبد الله عبد الموجود، نجم "دولة التلاوة"، كيف كان اللقاء، وما شعورك عند استقبال هذا النموذج الواعد؟
كان اللقاء وديًا، فقد غمرتني السعادة بقدوم شاب بمكانة الشيخ عبد الله، لا سيما أنه جاء بعد مشاركته في برنامج "دولة التلاوة". نظرت إليه للحظات، ومن ثم استطعت تحديد الطربوش الملائم لملامح وجهه، وأرى من وجهة نظري أن خدمة شيخ نتوسم فيه الخير والمستقبل هو شرف يبعث على الابتهاج.
جدية والتزام
وصفت الشيخ عبد الله بأنه "مستقبل دولة التلاوة"، ما المؤشرات التي دفعتك لمنحه هذا اللقب الكبير؟
لأنني استمعت إلى تلاوته أثناء وجوده في المحل، واستمعت إليه أيضًا الفرقة المصاحبة له، فوجدته نموذجًا يُحتذى به في الجدية والالتزام، ولهذا منحته هذا الوصف الكبير، متوسمًا فيه خيرًا للمستقبل.
هل تختلف طبيعة زي ووقار قارئ القرآن (كزي الشيخ عبد الله) عن باقي الزي الأزهري؟ وما سر تخصيص الطربوش بشكل فريد للمقرئ؟
هناك اختلاف بالتأكيد، فوجاهة القارئ تختلف عن وجاهة الإمام أو الخطيب؛ فالإمام إمام والمقرئ مقرئ. لكل منهما دوره، وزيه، وطريقة أدائه، وكل زي يدل على مرتبة ومكانة خاصة. السر يكمن في أن الطربوش المميز الذي نصنعه لا يلبسه إلا القارئ القرآني الكبير. هذا الطربوش هو قطعة تميز المقرئ عن باقي أهل العلم والمهن. أما الزي (الجلباب) فيأتي إلينا جاهزًا أساسًا، ونحن نُجهز باقي الملحقات التي تزيد من وقاره.
ما الرابط العميق بين صناعتكم لـ "الوجاهة" ووقار القارئ القرآني؟
التميز والوقار.. الطربوش المميز الذي نصنعه لا يلبسه إلا القارئ القرآني الكبير. فهو قطعة تميز القارئ عن باقي أهل العلم والمهن.
الصورة التي جمعتك بالشيخ عبد الله تحمل لفتة أبوية واضحة، ما الرسالة التي أردت إيصالها؟
كان لزامًا عليّ أن أحتضن هذا الابن. هو يقف الآن على عتبة السلم الأولى نحو النجاح، وليس دوري وحدي، بل دور كل من يهتم بأمر الدين أن يحتضن هذه النماذج الواعدة ويدعمها.
تجديد العهد
كيف ترى رمزية اللقاء بين جيلين (خبرة نصف قرن والجيل الصاعد) في قلب الغورية؟
رمزية اللقاء تكمن في تجديد العهد؛ حيث يلتقي إرث الحرفة القديم بمستقبل التلاوة الجديد، لنؤكد أن أصالة الزي باقية، وعندما يخرج الشيخ على المنبر بوقاره وزيه كاملاً، فإنه يدخل قلوب المسلمين بلا استئذان. هذا الزي يمثل الوجاهة والهيبة التي نعتز بها جميعًا، خاصة في هذا المكان التاريخي.
ما الكلمات التي صدرت من الشيخ عبد الله خلال اللقاء وعكست مدى وعي هذا الجيل؟
لم يكن ما أثر فيّ هو كلامه بقدر ما كانت قوة تلاوته، طوال فترة وجوده كان يتلو القرآن الكريم، وكنت أجد نفسي أقول له بصدق وإعجاب: "أعطني، أمتعني". لقد كنت في غاية الفرح والاعتزاز بموهبته العظيمة.
أما ما يسعدني دومًا أن المشايخ الكبار دائمًا ما يوجهون الصغار إلينا، بقولهم: "يا ابني، إذا أردت أن تلبس عمامة حقيقية، وتُعلي من شأن الزي، اذهب إلى ناصر الطرابيشي".
بم تنصح الجيل الصاعد من القراء بعد الضوء الساطع الذي سلّط عليهم في "دولة التلاوة"؟
أن يلتزموا بهذه الخطوة ويتمسكوا بها، ولا يفرطوا أبدًا في وجاهة الزي والوقار وفي أخلاق أهل القرآن.
الغيرة الحميدة
هل هناك دعوة أو مبادرة تود توجيهها للجمهور لتعزيز ومساندة المواهب الشابة بعد انتهاء المسابقات؟
التركيز على "الغيرة الحميدة بين الأجيال على القرآن"، فمن الجميل جدًا أن نرى هذه المنافسة الشريفة، فنحن بخير وأمان ما دمنا نرى هذا التنافس الإيجابي.
ما رسالتك الأخيرة التي تحب أن توجهها لجميع القراء وطلاب العلم؟
"الطمع في الدين"، ليكن طمعكم كله في زيادة العلم والالتزام والوجاهة الدينية.



